الكاتب
- إنضم
- 20/06/2021
- المشاركات
- 3,127
- الحلول
- 2
- مستوى التفاعل
- 3,004
- النقاط
- 0
- العمر
- 65
- الإقامة
- ☝️غ__🇵🇸_العزة__🇵🇸_زة☝️
- الجنس

هناك كلمات نسمعها فتمر على أسماعنا، وهناك كلمات لا تكتفي بأن نسمعها، بل تستقر في أعماق قلوبنا، وتوقظ فينا معاني ربما غفلنا عنها طويلًا.
ومن هذه الكلمات رسالة وصلتني من أمي الحبيبة.
لم تكن رسالة تحمل أخبارًا كثيرة، ولا حديثًا عن شؤون الدنيا، وإنما حملت ما لا تستطيع كنوز الدنيا أن تمنحه للإنسان: قلب أمٍّ يدعو لابنه.
قالت لي بصوتها الحنون:
«وأنا يمّه ما ناسيتك بالدعاء، يشهد الله إني أدعيلك على طول».
ثم أوصتني بالصبر، وأخبرتني كيف تقضي وقتها في ذكر الله وقراءة القرآن والدعاء، وتسأل ربها أن يمنّ عليّ بالشفاء والعافية.
توقفت عند كلماتها، لا لأنني أسمع دعاء أمي لأول مرة، ولكن لأنني وجدت نفسي أتأمل نعمة قد نعتاد وجودها حتى نغفل عن عظيم قدرها.
وهنا، يا قارئي الكريم، دعني أنتقل بك من صوت أمي إلى كلام ربنا سبحانه وتعالى.
قال الله تعالى:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: 14].
تأمل قوله سبحانه: ﴿وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ﴾.
أي ضعفًا يتبعه ضعف، ومشقة تتراكم فوق مشقة، كما ذكر أهل التفسير في بيان حال الأم أثناء الحمل.
لم يذكّرنا الله تعالى بهذه المشقة لمجرد أن نعرف كيف حملتنا أمهاتنا، بل لنتذكر عظيم حقهن علينا، وأن ما نراه اليوم من قوتنا واستقلالنا سبقه ضعف تحملته أمهاتنا في سبيل رعايتنا.
ثم تأمل كيف جاء الأمر بالشكر:
﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾.
فشكر الوالدين من الحقوق العظيمة التي أمر الله بها، مع بقاء شكر الله وعبادته حقًّا خالصًا له سبحانه.
وهنا أسألك، وأسأل نفسي معك:
هل يكفي أن نعرف ما تحملته أمهاتنا، ثم نضيق إذا احتاجت إحداهن إلى مساعدتنا؟
وهل من الشكر أن نتذكر تعبها حين نكتب عنها، ثم ننساه حين تطلب منا وقتًا أو رفقًا أو كلمة طيبة؟
ولنقف عند حديث عظيم، ربما حفظناه منذ الصغر، ولكن هل تأملنا حقًّا ما يدعونا إليه؟
جاء رجل إلى رسول الله، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وعلى آله وصحبه الأخيار، فقال:
«يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك».
رواه البخاري ومسلم.
تأمل أيها القارئ الكريم!
السؤال لم يكن: من أحق الناس بمالي؟ ولا من أحق الناس بهديتي؟
بل كان السؤال عن حسن الصحبة.
وحسن الصحبة معنى أوسع من تقديم الطعام والدواء أو توفير المسكن؛ فهو يشمل الإحسان في المعاملة، والرفق في الكلام، والصبر، والاهتمام، وإظهار المودة.
وقد تكرر ذكر الأم ثلاث مرات تأكيدًا لعظيم حقها في حسن الصحبة، لما تتحمله من مشاق الحمل والولادة والرضاع والتربية، دون أن يكون في ذلك انتقاص من حق الأب.
فيا أيها الابن...
قد تقول: أنا لم أقصّر في النفقة على أمي، ولم أحرمها شيئًا تحتاج إليه.
وهذا خير تؤجر عليه بإذن الله.
ولكن اسمح لي أن أسألك:
هل تحسن صحبتها كما تحسن الإنفاق عليها؟
هل تجلس معها وأنت مقبل عليها بقلبك، أم تجلس وجسدك حاضر وعقلك منشغل؟
هل تصغي إلى حديثها وإن كررته، أم تشعرها بأن كلامها أصبح ثقيلًا عليك؟
إن الأم قد تجد من يوفر لها حاجاتها المادية، ولكنها لا تجد في كل أحد ذلك الأنس الذي ترجوه من ابنها.
وكلما تأملت رسالة أمي، وجدت أن من أعظم ما حملته إليّ وصيتها بالصبر ودعاؤها لي بالعافية.
إنها لم تكن تتحدث عن نفسها، بل كانت تحاول أن تمنح ابنها شيئًا من الطمأنينة، وهي تذكّره بالله.
وهذا يعيدنا إلى حقيقة مهمة:
الأم ليست مجرد ذكرى من طفولتنا، ولا مرحلة مضت بعدما كبرنا، بل إن حقها في البر والإحسان باقٍ ما دامت حية، ويستمر من وجوه البر بها بعد وفاتها الدعاء والاستغفار لها.
وقد قرن الله سبحانه وتعالى الأمر بالإحسان إلى الوالدين بالنهي عن أدنى صور التضجر منهما، فقال:
﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23].
قف معي عند قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾.
إن الله سبحانه نهانا حتى عن هذه الكلمة الصغيرة التي تعبّر عن الضجر.
فإذا كان هذا النهي عن أدنى مراتب الأذى بالقول، فكيف بما هو أشد منها من الإهانة والاعتداء والطرد؟
ثم إن الآية لم تكتفِ بالنهي عن الإساءة، بل أمرتنا بقوله تعالى:
﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾.
أي خاطبهما بكلام حسن لطيف يليق بمقامهما، كما بيّن أهل التفسير.
وهنا يظهر الفرق بين أن يمتنع الابن عن إيذاء أمه، وبين أن يكرمها فعلًا.
فقد لا يرفع صوته عليها، لكنه لا يحدثها إلا قليلًا.
وقد لا يهينها، لكنه لا يشعرها بمكانتها في قلبه.
وقد يوفر لها ما تحتاج إليه، ثم يبخل عليها بكلمة حانية كانت تنتظرها منه.
فهل هذا هو تمام الإحسان الذي أمرنا الله به؟
ولقد شاهدت مقطعًا حقيقيًّا آلمني حتى أبكاني.
رجل يلقي أغراض أمه في الشارع ويطردها من بيتها، إرضاءً لزوجته.
لا أريد أن أطيل في وصف المشهد، ولكنني أتساءل:
كيف يبلغ الإنسان هذه القسوة على من حملته ورعته صغيرًا؟
وأين يضع هذا الفعل من قول الله تعالى: ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾؟
إن إرضاء الزوجة لا يكون بظلم الأم، كما أن بر الأم لا يكون بظلم الزوجة؛ فلكل منهما حق أمر الشرع بأدائه، والابن مسؤول عن فعله واختياره.
ولكن لنتذكر أن العقوق لا يبدأ دائمًا بمثل هذا المشهد المفجع.
فقد يبدأ بضيق في الصدر، ثم كلمة قاسية، ثم استثقال لوجود الأم أو حاجتها.
ولهذا جاء التوجيه القرآني ليهذب الكلمة والمعاملة، قبل أن يستفحل الجفاء في القلب.
يا قارئي الكريم...
ربما كانت أمك اليوم كبيرة في السن، وقد ضعفت ذاكرتها، أو ثقل عليها المشي، أو أصبحت تحتاج إلى مساعدتك في أمور كانت تقوم بها وحدها.
أتدري ما الذي يذكّرنا به القرآن في مثل هذه الحال؟
قال الله تعالى:
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 24].
تأمل قوله تعالى: ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾.
فليس المقصود مجرد القيام بالواجب مع الشعور بالضيق والاستعلاء، وإنما أن يكون تواضع الابن ولينه مع والديه صادرين عن الرحمة بهما.
ثم انظر إلى هذا الدعاء العظيم:
﴿رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.
إنه يذكّرنا بتلك السنوات التي كنا فيها ضعفاء، لا نملك لأنفسنا نفعًا ولا ضرًّا، فكان والدانا يرعياننا ويصبران علينا.
واليوم، وقد تبدلت الأحوال، أليس من الوفاء أن نقابل حاجتهما إلى رعايتنا بالرحمة والصبر؟
ولا يعني ذلك أن كل أم معصومة من الخطأ، أو أن البر يقتضي قبول الظلم والاعتداء؛ وإنما يعني أن حق الوالدين في الإحسان ثابت، وأن التعامل مع ما يقع من خلاف يكون بالأدب والعدل، دون عقوق أو إساءة.
وأعود إليك يا أمي...
إلى صوتك الذي حمل إليّ الدعاء، وإلى كلماتك التي أوصيتني فيها بالصبر، وإلى تلك العبارة التي لا تزال تتردد في خاطري:
«وأنا يمّه ما ناسيتك بالدعاء».
ما أعظم نعمة أن يكون للإنسان أم تدعو له!
وما أعظم مسؤولية الابن حين يعلم أن الله قد أوصاه بها، وأمره بالإحسان إليها، وجعل حسن صحبتها من أجلّ أبواب البر.
يا قارئي الكريم...
إن كانت أمك حية، فلا تؤجل برّها إلى غد.
ولا تنتظر مناسبة لتخبرها بمكانتها في قلبك.
واسأل نفسك اليوم، قبل أن تنشغل بأمور الدنيا:
هل تشعر أمي بالرحمة التي أمرني الله أن أعاملها بها؟
هل تجد مني حسن الصحبة الذي أرشد إليه رسول الله، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وعلى آله وصحبه الأخيار؟
وإن كانت أمك قد رحلت، فاجعل لها نصيبًا من دعائك واستغفارك، ولا تنسَ فضلها عليك.
ولنتذكر أن البر ليس كلمات نكتبها عن أمهاتنا، بل عبادة تظهر في أخلاقنا ومعاملاتنا، ويُرجى ثوابها من الله سبحانه وتعالى.
اللهم احفظ أمهاتنا وآباءنا الأحياء، وأطل أعمارهم على طاعتك، وألبسهم لباس الصحة والعافية، وارحم من فارق الدنيا منهم، واغفر لهم، واجزهم عنا خير الجزاء.
اللهم أعنّا على برّهم، واغفر لنا ما كان منا من تقصير في حقوقهم.
اللهم إذا كان لهذا العمل قبولٌ عند الناس، فاجعل قبوله عندك أعظم، واجعله خالصًا لوجهك الكريم، واغفر لنا تقصيرنا، وأصلح قلوبنا وأعمالنا، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا.
الفقير إلى عفو ربه أبوعبدالله